لماذا يشعر الجميع بأنهم متأخرون في الحياة؟!
يبدو هذا السباق الذي نعيشه بلا نهاية… لأنه في الحقيقة صُمِّم ليكون كذلك ..
~
في عام 1929، استعانت شركة التبغ الأمريكية برجل يُدعى إدوارد بيرنايز، وهو ابن أخت عالم النفس الشهير سيغموند فرويد، ويُعَد على نطاق واسع الأب المؤسس لمجال العلاقات العامة الحديثة.
كانت الشركة تواجه مشكلة واضحة:
النساء لا يدخنّ في الأماكن العامة.
لم يكن السبب أنهن لا يرغبن في التدخين، بل لأن المجتمع في ذلك الوقت كان ينظر إلى ذلك بوصفه أمرًا غير لائق اجتماعيًا.
كانت تلك مشكلة بالفعل،
لكنها لم تكن مشكلة أخلاقية، بل مشكلة أرباح ..
فمعنى ذلك ببساطة أن نصف السكان لا يشترون السجائر ..
قرر بيرنايز أن يعالج المشكلة بطريقة غير مباشرة.
فخلال موكب عيد الفصح في مدينة نيويورك،
دبّر مشهدًا محسوبًا بعناية.
دفع لمجموعة من الشابات الأنيقات لكي يسرن في شارع فيفث أفينيو وهن يشعلن السجائر أمام عدسات الصحافة.
ثم طلب من الصحفيين أن يلتقطوا الصور وأن يستخدموا عبارة كان قد صاغها بعناية شديدة:
"مشاعل الحرية"
لم تعد السجائر مجرد سجائر.
لقد تحولت إلى رمز للاستقلال،
ورمز للتمرد ورمز للمساواة.
وبعد ذلك بدأت النساء في أنحاء الولايات المتحدة يدخنّ.
لم يكن السبب أنهن بحاجة إلى النيكوتين،
بل لأنهن اشترين شعورًا عاطفيًا قُدِّم لهن في هيئة منتج.
في الحقيقة، لم يكن بيرنايز يبيع التبغ.
بل كان يبيع الإحساس بالنقص ..
لقد بحث عما يشعر الناس أنهم يفتقدونه في هذه الحالة الحرية والمساواة ثم ربط هذا الشعور بحل يمكن شراؤه.
كان ذلك منذ ما يقرب من مئة عام ..
لكن التقنية نفسها لم تتغير.
إنها فقط أصبحت أكثر تعقيدًا ودهاءً، إلى درجة أن معظم الناس لا يدركون أنهم يعيشون داخلها.
ذلك الشعور الذي يراودك الآن الشعور بأنك متأخر، وأنه كان ينبغي أن تكون أبعد مما أنت عليه، وأن الآخرين يحققون تقدمًا أكبر منك ليس فشلًا شخصيًا منك.
بل هو ببساطة "اللعبة"
وهي تعمل كما صُممت تمامًا.
هناك أمر ينبغي أن يزعجك أكثر مما يزعجك بالفعل:
مهما حققت من إنجازات، فإن خط النهاية يتحرك دائمًا.
أردت وظيفة.
حصلت عليها.
لكنها الآن لم تعد الوظيفة المناسبة.
أردت سيارة.
حصلت عليها.
لكنها الآن لم تعد السيارة المناسبة.
أردت منزلًا.
حصلت عليه.
لكن منزل الجار فيه مسبح.
أردت ترقية في العمل.
حصلت عليها.
لكن الترقية التالية هي التي ستجعلك أخيرًا تشعر بأنك وصلت.
لكن الحقيقة أنك لا تصل أبدًا ..
وقد أظهر عالم النفس فيليب بريكمان ذلك من خلال أبحاث أجراها في سبعينيات القرن الماضي، حين درس حياة الفائزين باليانصيب.
وجد أن الأشخاص الذين ربحوا مبالغ مالية ضخمة تغيّر حياتهم بالكامل يعودون خلال أشهر قليلة إلى المستوى المعتاد نفسه من السعادة.
فالنشوة الأولى تتلاشى.
والواقع الجديد يصبح واقعًا عاديًا.
ثم يبدأ الشعور بالرغبة من جديد.
وقد أطلق على هذه الظاهرة اسم "عجلة اللذة"، وهي الفكرة التي تصف كيف يركض الإنسان باستمرار وراء المزيد، لكنه يبقى في المكان نفسه.
أنت تركض…
والحزام يتحرك…
فتظل في المكان ذاته.
لكنّك تصبح أكثر إرهاقًا.
الرأسمالية لم تخترع الرغبة الإنسانية ..
لكنها حولتها إلى صناعة كاملة.
لقد أخذت الميل الطبيعي لدى الإنسان إلى الرغبة في المزيد، وبنت نظامًا اقتصاديًا كاملًا يعتمد على ألا تُشبَع هذه الرغبة أبدًا.
عدم رضاك هو الوقود.
وفي اللحظة التي تشعر فيها بالرضا الحقيقي العميق عما لديك… تصبح غير مفيد للنظام.
فالإنسان الراضي عن حياته مستهلك سيئ للغاية.
والمحرك كله قائم على الاستهلاك.
والآن أضف إلى ذلك وسائل التواصل الاجتماعي ..
وستحصل على ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ البشر
فطوال معظم تاريخ الحضارة، كانت دائرة المقارنة لديك صغيرة.
كنت تقارن نفسك بجيرانك، أو بأبناء عمومتك، وربما بأغنى عائلة في قريتك.
كان نطاق المقارنة محدودًا بالجغرافيا.
لم يكن بإمكانك الشعور بالدونية إلا تجاه أشخاص تعرفهم
وقد صاغ عالم النفس ليون فستنغر هذه الفكرة عام 1954 فيما عُرف باسم "نظرية المقارنة الاجتماعية"، وهي الفكرة التي تقول إن البشر يحددون قيمتهم الذاتية من خلال مقارنة أنفسهم بالآخرين.
إنها آلية متجذرة في طبيعتنا.
لا يمكن تجنبها.
فنحن نقوم بها تلقائيًا كما نُغمض أعيننا ونفتحها.
لكن هذه النظرية وُضعت في عالم كان الإنسان يقارن نفسه فيه بخمسين شخصًا ربما… أو مئة في أقصى تقدير.
أشخاص من محيطه القريب، يمكنه أن يرى حياتهم كاملة بما فيها صعوباتهم وإخفاقاتهم وأيامهم السيئة.
أما اليوم فأنت تقارن نفسك بملايين الناس
وليس بحياتهم الحقيقية بل بلحظاتهم المنتقاة بعناية. بمقاطع من حياتهم جرى تنقيحها ونشرها في توقيت محسوب، ثم تضخيمها بواسطة الخوارزميات لتبدو كأنها حياة مثالية
⤵️